السبت، 10 أبريل، 2010

فارس لا يموت


...تجاوز الوقت منتصف الليل بقليل ..يتجول على صهوة جواده..فهو هذه الليلة قائد سرية الحراسة ...المعركة منتظرة عند الفجر ...لا يستطيع إن يستريح حتي و لو رغب ....جال بنظره في المعسكر الهاديء ....صعد على التل القريب ...رأي نيران معسكر الإنجليز ...همس في نفسه غداً ستكون الفاصلة...ربت على رقبة جواده ...و عاد ليتفقد حدود المعسكر مرة أخرى ...لا يعرف كم مر من الوقت ....لكنه قليل ...هبت رياح شرقية ...إرتفع دوي الرصاص ...و صوت يهز الأركان ...خيانة ...خيانة ....إنطلق بكل قوته إلى المقدمة ليرى أصحاب السترات الحمراء و العيون الزرقاء يعملون القتل في رفاقه ....إقتحم صفوفهم و ثبت مع من ثبت ...يقتل كل من يقابله...أخر شيء يتذكره ...كان صوت أزيز اعقبه إنفجار ...أحس بأن جسده تمزق و تطاير أشلاء ...يسبح في نهر الألم بين الحياة و الموت ...تهاوي على ظهر جواده الذي إنطلق إلى قلب الصحراء لا يلوي على شيء ....


في لحظات افاقته كان لا يسمع سوى صوت السنابك تدق على صفحة الصحراء الرتيبة ....خر الحصان من التعب على الأرض و خر معه .....ظل راقداً بجوار الجواد النافق...يعتصره الألم ...إستسلم للألم و غاب عن الوعي مجدداً ....أفاق بعد فترة من الزمن كأنها دهر على أنفاس لاهثة قرب وجهه ....تجمد الرعب في عينيه ...

يا إلهي...أتكون نهايتي في بطون الذئاب؟

مد يده ليجذب مسدسه ...لكن يده لم تطع الأمر ...إرتفع صوتاً مدوياً في الأفق ....تفرقت الذئاب المتجمعة حوله و التي تتناول العشاء من لحم حصانه.....

خيل إليه إنه لمح شبح أسود بجواره ...غاب من جديد ...

عندما عاد إلى وعيه كان ممدداً في كهف...لم يعرف أين هو ...في بطن ذئب أو في ظلمات قبر...حتى جاء الصوت

انتظرتك طويلاً ...لم أكن أعلم متي تجيء ...لكنني كنت واثقة انك قادم..

هم بالكلام ...

لا تجهد نفسك ...كفاك عناء رحلتك ...

قطرت له الماء بين شفتيه المنتفختين من العطش ...غاب ثانياً....

في صباح إليوم التالي ...وجدها تمرر أناملها في خصل شعره الفاحم....لم ير أجمل من هذه العيون إستجمع قوته و سأل

من تكوني ؟

هل نسيت حبيبتك ؟ التي في قلب الصحراء انتظرتك ؟

عجز عن الإجابة ...ظن إنه قد جن ...أو سقط كتاب ذكرياته من رأسه

لماذا تأخرت ؟الم تعلم اني انتظرك ؟أهذا هو العهد الذي بيننا؟

لابأس سأذهب لأحضر الماء المقدس لأغسل جروحك....

من تكون هل هي الحورية الذي وعدوه بها ...لكن هل الجنة صحراء ؟ ظل يتسائل....قطع تفكيره نظرات ذئب ...ينظر إليه ...إنه هالك لا محالة ...لماذا لا يهجم ...اهجم و خلصني من الألم ..و لتكن مشيئة الله ....

جاء صوتها مجدداً

هل أفاق الفارس ؟

صرخ

الذئب ...الذئب ...

سمع ضحكتها المجلجلة ...كانت أعذب ضحكة سمعها....

لا تخف إنه لن يأكلك ...هل يخاف الفارس من الذئب ؟

أيتها المجنونة ..اعطيني سلاحي لأقتله ...

لم تريد قتله...لم يفعل لك شيئاً ...لقد أكل القطيع كله ليلة أمس بفضلك

بفضلي ؟

أجل ...أكلوا حصانك ....

خرج صوت الحنق من داخله ...لذلك لابد من قتلهم جميعاً ...كيف يأكلون حصاني؟

كان نافقاً على أية حال....

لكنه حصاني ..

بادلته حنق بحنق ...و ماذا إنت فاعل بجواد نافق...هل كنت ستدفنه و تنقش إسمه على شاهد من رخام

إلتزم الصمت .....التفتت إليه



لا تخف فأنهم جيراني ...يسكنون في الكهوف المجاورة ...

انها حقاً مجنونة ...ليست حقيقة انها ليست سوى خيالات الإحتضار ...سرعان ما تنتهي ....هكذا حدث نفسه ...

اقتربت منه ...نزعت ملابسه لتكشف جروحه...شعر بالماء البارد يمسح جسده ...نظر إليها لم ير أجمل منها من قبل ...انهمكت في العمل ....حتى انتهت ....

لماذا أنقذتيني؟...و إنت تعرفين إن ليس لجرحي شفاء ...

هل أترك حبيبي للموت ...بعد طول انتظاري ...

كفي عن هذا العبث ....من انتي ...من أين جئتي ...أين أهلك ...ماذا تفعلين هنا في هذا القفر؟...امطرها بوابل من الأسئلة ...

قبلت جبينه ...احتضنته ...توقف الألم ...وضعت رأسه على فخذها....و أخذت ...تضع قطعاً صغيرة من اللحم في فمه ...لابد إن تأكل ..حتى تستعيد قوتك ...قلت لك لا فائدة...لمح الذئب منزوياً يرقبهم...شعر بقشعريرة في جسده .....إلا تخافين؟..ردت بصوت حاني...انني اقتسم معهم طعامي ...و هم يحرسونني.....

من المؤكد إنه يحلم أو إن شياطين الموت تعبث معه في لحظاته الأخيرة ....

هبت رياح الصحراء الباردة في الليل الساكن...

وضعت يدها تمسح جبينه المشتعل من الحمى ....شعر ببرودة شديدة تجتاح جسده ...صرخ إدفئيني .....احتضنته ...يومها شرب من خمرها حتى إرتوى ...امتزجت روحيهما في قارورة عشق سرمدي حتى ارتجت ...في الصباح ...كان رأسه لا يزال على تل صدرها الدافيء ...أعاد السؤال ..من تكوني ؟...أناحبيبتك ...عشيقتك و رفيقة دربك ..زوجتك ..هل نسيت ؟

متى تزوجنا ...كيف تزوجنا

الم يشهد الله ...و ليل الصحراء ...و القمر الفضي المعلق في السماء علينا .....حتى الذئاب في الكهوف ..اجابته

إذا مت ...إنت تعلمين اني سأموت ...أريدك إن تذهبي إلى أمي في المدينة ...و تحملي إليها سيفي...ستجدين العنوان في سترتي ....

لن اذهب و أتركك أبداً ...

عليك إن تذهبي ...عليك بالطاعة الست زوجتي ؟

دفن نفسه في صدرها ...في قلبها ..... قبلت جبينه ...لقد حان الوقت أيها الفارس النبيل إن ترتاح من عناء السفر .....

بعد أيام و شهور ...طرقت باب بيت في المدينة ....

من تريدين ؟

سيدة الدار ...جاءتها...أخرجت سيفه من بين طيات ملابسها ...شهقت الأم ...

أين ولدي؟...هل مات ؟

اجابتها بغضب

كلا ..فارسي لم يمت

اين هو ؟

إنه هنا ...تحسست جنينها و هي تبتسم .............

أما هو فكان لا يزال مضرجاً بالدماء ...على صهوة جواده ...في طريقه إلى السماء .......



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق